الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
395
المنقذ من التقليد
الميّت عند تقريب الجنّي الجسم المخصوص منه إذا كان المدّعي كاذبا ، فكيف تقولون ذلك ؟ ولو لم يحيي اللّه الميّت عند تقريب الجنّي الجسم المخصوص منه لكان ذلك خارقا لعادة الجنّ على ما فرضناه ، ومن الجائز ، أن يدّعي مدّع فيما بينهم النبوة ويجعل دلالة صدقه على أن لا يحيي اللّه تعالى الميّت عند تقريب ذلك الجسم منه فيكون ذلك تصديقا للكذّاب الجنّي ، وإن أحياه كان تصديقا للكذّاب الإنسيّ ، فيصير الأمر في طرفي نقيض ، أعني إن أحياه كان تصديقا للكذّاب الانسيّ ، وإن لم يحيه كان تصديقا للكذّاب الجنّي ، فلا يمكن التفصّي من لزوم هذا إلا بأن يقال إنّ هذا يكون استفسادا ويجب عليه تعالى أن يمنع من الاستفساد ، وإذا لم يمكن التفصي من لزوم ما ذكره السائل إلّا بهذا ، فاقنعوا بمثله في الجواب في أصل المسألة وقولوا إنّه تعالى يمنع الجنّي من نقل الجبل وما أشبهه عند دعوى الكاذب . قلنا : قد سبق ما هو جواب عن هذه الزيادة عند التأمّل . وذلك لأنّا إنّما جوّزنا أن يكون اللّه تعالى أجرى العادة فيما بين الجنّ بإحياء الميّت عند تقريب ذلك الجسم منه ، بحيث لا نطّلع عليه ، فأمّا إذا كان بحضرتنا فلم تجر عادتهم به ، لأنّا لم نر ذلك قط ، فإذا كان كذلك فيجب على اللّه تعالى أن لا يحيي الميّت إن كان المدّعي كاذبا ، وذلك لا يكون خرقا لعادة الجن . وقد قيل في الجواب عن ذلك : إنّ نقل الجبل لا يجوز أن يكون من فعل الجنّي ولا من فعل الملك ، لأنّ القادر بالقدرة يحتاج في مثل ذلك الفعل إلى قدر كثيرة ، والقدرة الكثيرة تحتاج إلى بنى كثيرة . ومن كان كثير البنى عظيم الأجزاء لا بدّ أن يكون كثيفا ، وإذا كان كثيفا شاهدنا فإذا رأينا المدّعي للنبوّة نقل الجبل بحيث لا نشاهد جسما كثيفا يعينه على ذلك ، علمنا أنّه ليس من فعل غيره من القادرين بالقدرة لا جنّي ولا ملك ، فيمكننا الاستدلال به على صدقه .